الوطن الجديد
انتظرته طويلاً طويلاً ولدها الوحيد الذي هاجر قبل عشرين سنة، هارباً من الجلاد الذي منعه من مزاولة متعته المحببة إلى قلبه، والتي يسبح معها في عالم الخيال، ويهرب ألبها من ظلم الظالمين.
كان قدره أن يكون كاتباً
وكان قدره أن يتعذب نيابة عن الآخرين في وطنه !
لذا تعذّب كثيراً، وسهر طويلاً، وخسر من صحته، وإمكانياته أكثر من المعقول، لذلك لم يبق لديه إلا منفذاً واحداً !
باباً واحداً للخلاص !
باباً واحداً للأمل هو البحث عن مكان آخر، سيكلفه الكثير، وربما يكون بعيداً جداً، وقاسياً جداً، وسيبدأ فيه من جديد، وكم هو صعب أن تختار وطناً جديداً، وحتى إذا حصلت على الوطن، كيف تحصل على أهل ؟!
وكيف تهضم اللغة الجديدة ؟
ومتى تقرأ باللغة الجديدة ؟
ومتى تكتب باللغة الجديدة ؟
ولمن تكتب باللغة الجديدة ؟
فالبلدان القريبة، والبعيدة لديها ما يكفي من الكُتّاب الذين تعتز بهم، وتُشفق عليهم، وتمنحهم كل ما يحتاجون، وما لا يحتاجون، لا كما هذا الوطن الذي يُجبر كُتابه على الهجرة !
كانت مخاطرة، وكان يعلم لغة المخاطرة، لكنه لم يكن يُتقنها بعد، ولم يكن سهلاً إتقانها إلا بركوب أمواجها.
وقبل أن يركب الأمواج شاور أمه التي رحبت بالفكرة وسط استغرابه، وهي المتعلقة به حد الجنون !
وكانت تنوي الطلب منه بأن يهاجر، بعد أن دخل الخوف كل البيوت، وحفر له مواقعاً في جدران القلوب الحريصة حقاً على الوطن !
وفي غضون أيام هاجر ماجد بعد أن ذرف الدموع الكثيرة على أمه الوحيدة، بعد أن فارقها شريك عمرها قبل عشرين سنة !
وهي بكت، وبكت عن رغبة كانت قد حبستها لعشرين سنة، لأن أبا ماجد لم يرحل تلك السنة، بعد أن حلّ محله ماجد الذي ترك فراغين اليوم !
لم تكن صلبة ذلك اليوم !
وذلك واقع لا يمكن لأي إنسان أن يتغلب عليه !
وماجد الذي سدّ الفراغات كلها بالأمس ها هو يتركها جميعاً فارغة، حتى الوطن فرغ في عيون أمه، لولا الأمل، والشعور السحري، بل الإيماني الذي داعب شغاف قلبها في نفس اللحظة، لا بل بعد أن صبت بقايا الدمع صباً !
سيعود قالها بلبل على شجرة ماجد المفضلة !
سيعود قالتها القطة التي كان يُطعمها نصف طعامه !
سيعود قالها الجرو الذي دربه على أشياء لا يمكن أن يتدرب عليها أكبر الكلاب البوليسية !
سيعود قالها الفانوس النفطي الذي علّقه في غرفته قبل أن يهاجر بيومين !
سيعود قالتها الجدران التي حملت على جسدها الصلب من الخارج، الناعم حد الحنو من الداخل وهي تلتصق بصوره وهو يحبو، ويخطو، ويركض، ويلعب، ويدرس، ويمرض، ويفوز، وينجح، ويلبس البذلة الأنيقة يوم تخرجه، ويلقي شعراً على حشود من المثقفين !
سيعود قالتها الروايات العالمية، والعربية، والأشعار المتفرقة، والدواوين الكبيرة، والمجلدات، والمجلات، والصحف !
سيعود قالتها جارتهم الصغيرة، والتي لم تبلغ الثالثة من العمر حينما سألتها أمه على قاعدة العجائز عندما يسألن الغيب بلغة الأطفال الذين لم يدخل إلى قلوبهم الكذب، ( أحباب الله، وعصافير جناته، وزهور حيواتنا )
نرجس بنت الثالثة قالت: ( يرجأ ) يعني يرجع !
الله ما أجمل حروف الأطفال الصادقة، قالتها أم ماجد وهي تضمها إلى صدرها المشتعل بالخوف على ماجدها.
لقد ضمت نرجس ولا تدري بأنها ضمت ماجداً، وأحلامه، ودروبه، وأمنياته، وحتى هواجسه !
لقد ارتاحت أم ماجد تلك الليلة بعد أن أخبرتها الكائنات بأن ولدها سوف يعود سالماً غانماً، وأخذت تفكر بما سوف يجلب معه لها، وله وللوطن، وللكائنات التي بشّرتها، وأراحتها !
ثم نامت بعد التفكير براحة، واستيقظت مع أذان الصبح، لتتوضأ، ومن ثم صلّت، ودعت الله مخلصة بحفظ ولدها، وعودته.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ